احتفالات استثنائية بنوروز في سوريا.. أفراح وأمل بالأفضل

احتفل أكراد سوريا بعيد نوروز هذا العام، في أجواء وظروف جديدة، بعد توقيع الاتفاق السياسي بي الحكومة السورية وقسد. وتزامنت الاحتفالات هذا العام مع عيد الفطر. مراسل DW رصد الأجواء من مدينة القامشلي شمال شرقي سوريا.

أحيا أكراد سوريا “عيد نوروز” رأس السنة الكردية، وتعني بالعربية “اليوم الجديد” والذي يصادف 21 من مارس/آذار من كل عام، بإشعال النيران وحرق الإطارات وتنظيم الدبكات الفلكلورية وإطلاق المسيرات احتفاء وتخليداً للطقوس التقليدية لمراسيم العيد، والذي تزامن هذا العام مع ثاني أيام عيد الفطر المبارك.

وشاركت بيريفان، وهي فتاة كردية في بداية عقدها الثالث، برفقة صديقاتها بحفل العيد في حديقة أزادي (وتعني الحرية) بالقامشلي، واختارت ارتداء زي كردي فلكلوري طغت عليه الألوان الزاهية الخاصة بالعيد. وعبرت عن فرحتها بهذه المناسبة لتقول في حديثها لـDW عربية: “نحتفل ببهجة وسرور مع صديقاتي بيوم نوروز وهو بداية الربيع، ننتظر هذا اليوم من كل عام وأدعو الله أن تنتهي هذه التوترات العسكرية ويعمّ السلامُ على شعبَنا”.

أمل بانتهاء سنوات النزوح

أما مصطفى برو (50 عاماً) ويتحدر من مدينة عفرين الكردية بريف حلب ويعيش منذ سنوات في مدينة القامشلي بعد نزوحه من مسقط رأسه، شارك هذا العام في الاحتفالات رفقة زوجته واطفاله، وأشار إلى أن “نوروز هو رمز قومي لنا نحن الكرد، وعيد الفطر المبارك عيد لنا كمسلمين. إشعال الأمل ينبثق من نور العيدين نار نوروز ووميض عيد الفطر”. وينتظر مصطفى بلورة التفاهمات بين قسد والحكومة السورية حول ترتيبات العودة إلى مسقط رأسه ليضيف: “ننتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر لنعود لديارنا وأهلنا وناسنا”.

وبحسب التقويم السنوي للكرد يبدأ الآن العام الجديد 2726 رسمياً مع إيقاد شعلة عيد نوروز في 20 من مارس 2026، ويعتمد هذا التقويم على الحقبة الإمبراطورية الميدية الكردية (700 قبل الميلاد) كمرجع تاريخي له، وهذا التقويم الشمسي يبدأ مع الاعتدال الربيعي كل عام.

وأدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم (يونسكو) في عام 2009 عيد نوروز ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية، وتصنيفه أرثاً عالمياً معترفة بأهميته الثقافية العميقة ودوره في تعزيز التفاهم بين الشعوب. وهذا اليوم أكثر من مجرد بداية سنة جديدة لدى الأكراد والشعوب الفارسية وشرق الآسيوية التي تحتفل به في كل عام بهذا التوقيت.

وعبرت جانا (26 سنة) والتي كانت ترتدي فستاناً كردياً وتاجا تقليديا عن مشاعرها بفرحة قدوم نوروز هذا العام، وسط كل التقلبات الميدانية والعسكرية التي طرأت على شمال شرق سوريا، وسخونة الحروب الدائرة في دول الجوار، لتقول: “نوروز هو عيد الاستقلال الذاتي، نوروز هو يوم العزة والشموخ، هو يوم المقاومة والتمسك بالحرية، فالأسطورة الكردية تقول إن هذا اليوم هو انتصار الخير على الشر، والنور على الظلام”.

مناسبة وعيد وطني رسمي..

لا توجد إحصائية رسمية عن عدد الأكراد في سوريا، إلا أن التقديرات تشير إلى أن تعدادهم يزيد عن مليونين ونصف مليون شخص، وعمّقت سياسات الحكومات السورية المتعاقبة التي رفضت الاعتراف بهوية الشعب الكردي في البلاد، من شعور الاغتراب والتمييز، مما دفعهم أكثر للتمسك بهويتهم القومية التي تعرضت لمحاولات الطمس والتعريب بشكل مستمر.

ونقلت إيفا الهاشمي (35 عاماً) وهي صاحبة متجر لبيع الأزياء الكردية التقليدية الجاهزة في القامشلي، أن مزامنة أعياد الفطر ونوروز، “شهدت إقبالاً شديداً. وعيد نوروز هو عيد قومي ويوم مميز للكرد لذلك يجب أن تكون الثياب مميزة، والجميع قصد معرضنا كان الطلب أكثر على الرجالي والولادي”، ولفتت إلى أن نوروز “هو عيد الألوان وإحياء الفلكلور الكردي والكل يحرص على ملابسه، يعني كل شيء لازم يكون حلو، لأننا نحيي تراثنا وهو رمز الشعب الكردي”.

وقبل تولي حزب البعث الحاكم في سبعينيات القرن الماضي كان نوروز عيداً وطنياً يُحتفل به غالبية السوريين قبل أن يحظره الرئيس السابق حافظ الأسد، والد الرئيس المخلوع بشار الأسد، في إطار سياسات تعريب المناطق الكردية وصلت ذروتها في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، حيث منع الأكراد وقتذاك من التحدث بلغتهم الأم في الدوائر الحكومية، وحضر ارتداء زيهم التقليدي وإحياء طقوسهم القومية.

ولطالما ارتبط إحياء عيد نوروز خلال العقود الماضية بالتظاهرات السياسية التي لم تخلُ من اشتباكات مع الشرطة، واعتقالات في عدة مناطق مع وقوع جرحى وسقوط القتلى.

ارتياح شعبي بعد التفاهمات السياسية في سوريا

وأخبر التاجر علوان (45 سنة) الذي يمتلك محلاً لبيع الأحذية يقع في السوق المركزية بالقامشلي، بأن نتائج التفاهمات بين دمشق والقامشلي وتطبيق عملية الدمج واستبعاد نشوب الحرب تركت ارتياحاً كبيراً بين نفوس الجميع: “كل الأهالي كانوا في حيرة من أمرهم قبل ذلك، وشهدنا أياما عصيبة، لكن بعد الاتفاق تحوَّلت الفرحة لثلاث فرحات: احتفالنا بنوروز، وقدوم عيد الفطر والاتفاق بين قسد ودمشق”، على حد تعبيره.

وهذا العام تأتي احتفالية نوروز في سياق سياسي جديد بعد صدور مرسوم رئاسي يمنح اعترافًا رسميًا للمرة الأولى في تاريخ سوريا، وكان الرئيس الشرع قد أصدر في يناير/كانون الثاني الماضي مرسوم 13 للعام 2026، نصّ المرسوم على اعتبار “عيد نوروز” عيدًا وطنيًا والتزام الدولة بحماية التنوع الثقافي واللغوي في البلاد، “وأن المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية”، بحسب نص المرسوم.

وشددّت معلمة اللغة الكردية سرخبون التي شاركت برفقة عائلتها في إحدى الاحتفالات العامة بالقامشلي، على ضرورة الاعتراف باللغة الكردية وأهمية تدريسها، “لأن الكرد كأي شعب لديهم لغة وثقافة وفلكلور وطقوس خاصة، فنحن نعيش مع باقي مكونات المنطقة على أرضنا التاريخية، لذلك لدينا خصوصية والمفروض هو الاعتراف بهويتنا القومية ولغتنا، وهذه أبسط الحقوق”.

زوايا ميادين + DW عربية

World Opinion | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La voix Des Sans-Voix | Alternative Média

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
7 + 4 =