
منذ ما قبل انطلاق الاقتراع وحتى نهاية الحملة الانتخابية، برز اسمان داخل حزب الأصالة والمعاصرة في النقاش غير الرسمي حول رئاسة الحكومة المقبلة، فوزي لقجع وفاطمة الزهراء المنصوري، بما يعكس أيضاً التحول الذي طرأ على موقع الحزب داخل الخريطة السياسية منذ تأسيسه سنة 2008 بمبادرة من فؤاد علي الهمة، الذي كان آنذاك وزيراً منتدباً في الداخلية قبل أن يصبح مستشاراً للملك، والذي ارتبط اسم الحزب في بداياته بمواجهة صعود حزب العدالة والتنمية.
تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة، المشارك في الحكومة المنتهية ولايتها، الانتخابات التشريعية التي أقيمت الأربعاء في المغرب، بحصوله على 97 مقعداً، وفق نتائج أولية أعلنها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، فجر اليوم الخميس.
وحلّ حزب التجمع الوطني للأحرار، قائد الائتلاف الحكومي الحالي، في المرتبة الثانية بـ 66 مقعداً، متبوعاً بحزب الاستقلال الذي شارك في الحكومة المنتهية ولايتها، وحافظ على المرتبة الثالثة بـ 65 مقعداً.

عودة قوية للعدالة والتنمية

ولا تعني هذه التحولات، في حد ذاتها، انتقال أصوات محددة من حزب إلى آخر، إذ إن عدد المقاعد يتأثر بالمنافسة في الدوائر وبنسب المشاركة وبطريقة توزيع المقاعد، ولذلك تعكس الأرقام تغيراً في المخرجات البرلمانية أكثر مما تثبت وحدها مصادر التحول في سلوك الناخبين.
أكثر التحولات حدة مقارنة بنتائج 2021 سجلها حزب العدالة والتنمية، الذي ارتفع من 13 مقعداً إلى 54، أي بزيادة 41 مقعداً، ليعود بذلك إلى المراكز الأربعة الأولى بعد أن كان قد تراجع إلى المرتبة الثامنة في الانتخابات السابقة.
وتكتسب هذه العودة دلالتها بالنظر إلى المسار الذي قطعه الحزب خلال العقد الأخير. ففي انتخابات 2016 حصل على 125 مقعداً، قبل أن ينهار إلى 13 في انتخابات 2021، التي أفرزت في المقابل صعود التجمع الوطني للأحرار إلى الصدارة بـ102 مقعد. وتظهر نتيجة 2026 استعادة الحزب جزءاً كبيراً من حضوره البرلماني السابق، وإن بقي رصيده دون مستواه في 2016.
وقد تصدر حزب العدالة والتنمية الإسلامي أحزاب المعارضة بحصوله على المركز الرابع، معززاً حضوره بشدة عبر حصوله على 54 مقعداً، مقابل 13 مقعداً فقط في الانتخابات السابقة، فيما وُصف بالاستفادة من عودة رئيس الوزراء السابق عبد الإله ابن كيران إلى الواجهة.
وكان ابن كيران، أمين عام الحزب، قد أعلن بعد نحو ساعتين من إغلاق مكاتب التصويت مساء الأربعاء تصدر “المرتبة الأولى في معظم الدوائر التي استطاعت أن تختم عملية إحصاء الأًصوات” حتى ذلك الوقت.
ومع ذلك، فقد اشتكى من رفض “بعض رؤساء مكاتب” التصويت تسليم المحاضر للمراقبين التابعين لحزبه.
أما بالنسبة للأحزاب المنتمية إلى التيار اليساري، فحصل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26 مقعداً، وحصد حزب التقدم والاشتراكية 19 مقعداً، وحصل حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي على ثمانية مقاعد.
وتنافس أكثر من سبعة آلاف مرشح على أصوات نحو 16 مليوناً يحق لهم الانتخاب، من أصل نحو 36 مليون مغربي، لاختيار 395 نائباً.
وستحدد نتائج الانتخابات ملامح الحكومة الائتلافية المقبلة التي ستشرف على المراحل النهائية لخطة تبلغ قيمتها 20 مليار دولار استعداداً لاستضافة نهائيات كأس العالم لكرة القدم 2030.
ويُنتظر أن يختار الملك محمد السادس شخصية من الحزب الفائز لتشكيل الحكومة لخمسة أعوام.
مقارنة مع الانتخابات الماضية
وتكشف المقارنة مع انتخابات 2021 عن تحول واضح في ترتيب القوى الأربع الكبرى. فقد كان التجمع الوطني للأحرار في الصدارة آنذاك بـ102 مقعد، متبوعاً بالأصالة والمعاصرة بـ87 والاستقلال بـ81، بينما لم يحصل العدالة والتنمية سوى على 13 مقعداً.
أبرز التحولات في انتخابات 2026 تتمثل في انتقال الأصالة والمعاصرة من 87 إلى 97 مقعداً، بزيادة عشرة مقاعد، في الوقت الذي فقد فيه التجمع الوطني للأحرار 36 مقعداً، منتقلاً من 102 إلى 66. أما حزب الاستقلال، الذي كان ثالث قوة برلمانية في 2021 ب81 مقعداً، فقد تراجع إلى 65، بخسارة 16 مقعداً، لكنه حافظ على موقعه ضمن القوى الثلاث الأولى.
وبذلك تغير ترتيب الأحزاب الثلاثة التي تصدرت انتخابات 2021 بصورة لافتة، فالأحرار انتقل من المرتبة الأولى إلى الثانية، والتجمع الوطني للأحرار من الثانية إلى الأولى، بينما بقي الاستقلال في المرتبة الثالثة مع انخفاض وزنه البرلماني.
ويمنح الدستور الذي أقرّ في سياق “الربيع العربي” عام 2011، سلطات واسعة للبرلمان والحكومة إلا أن القرارات الاستراتيجية تبقى بين يدي الملك الذي يعطي أيضا توجيهاته في جل السياسات العمومية.
وقد شهدت الانتخابات الحالية مقاطعة جماعة العدل والإحسان، أكبر حركات الإسلام السياسي في المملكة، قائلة إن ظروف المنافسة السياسية الحرة والنزيهة “غير متوفرة”. كما بررت قرارها بعدم قدرة الأحزاب على تنفيذ برامجها السياسية أو تشكيل حكومة مستقلة في ظل النظام السياسي القائم، وفقاً للجماعة.
وصوّت المغاربة الأربعاء لاختيار برلمان جديد يفرز حكومة لخمسة أعوام، في انتخابات طغت عليها قضايا القدرة الشرائية والبطالة والتفاوتات الاجتماعية، لكنها سجلت نسبة مشاركة لم تتجاوز 39 في المئة، وهي الأدنى منذ انتخابات العام 2007، التي شارك فيها 37 في المئة فقط من المسجلين في القوائم الانتخابية.
وفي انتخابات 2021، كان حزب التجمع الوطني يتصدر المرتبة الأولى بـ 102 مقعد، ليقود الحكومة الإئتلافية، في حين حل حزب الأصالة في المركز الثاني في تلك الانتخابات بـ 87 مقعداً.
وتأتي البطالة ضمن أهم قضايا الشارع المغربي. وبحسب إحصاءات رسمية، تبلغ نسبة البطالة بين الشباب في المغرب نحو 27 في المئة، وهي الأعلى بين الفئات العمرية الأخرى في المملكة، فيما سجّل معدل البطالة إجمالاً في المغرب نسبة 9.5 في المئة خلال الربع الثاني من 2026.
لقجع والمنصوري.. اسمان مطروحان لقيادة الحكومة
ومنذ ما قبل انطلاق الاقتراع وحتى نهاية الحملة الانتخابية، برز اسمان داخل حزب الأصالة والمعاصرة في النقاش غير الرسمي حول رئاسة الحكومة المقبلة، فوزي لقجع وفاطمة الزهراء المنصوري، بما يعكس أيضاً التحول الذي طرأ على موقع الحزب داخل الخريطة السياسية منذ تأسيسه سنة 2008 بمبادرة من فؤاد علي الهمة، الذي كان آنذاك وزيراً منتدباً في الداخلية قبل أن يصبح مستشاراً للملك، والذي ارتبط اسم الحزب في بداياته بمواجهة صعود حزب العدالة والتنمية.
ويأتي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الاتحاد المغربي لكرة القدم، في مقدمة الأسماء المتداولة، خصوصاً بعد انضمامه رسمياً إلى الأصالة والمعاصرة في 25 تموز/يوليو الماضي ودخوله مكتبه السياسي، في خطوة أعطت وزنا سياسيا لشخصية ارتبط حضورها العام بإدارة المالية العمومية وبالنجاحات التي حققها المنتخب المغربي، كما يرأس لجنة المغرب 2030 المكلفة بالتحضير للمونديال المشترك مع إسبانيا والبرتغال.
أما الاسم الثاني فهو فاطمة الزهراء المنصوري، عمدة مراكش ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة منذ 2021، والتي تتولى منذ 2024 قيادة الأمانة العامة الجماعية للأصالة والمعاصرة.
ويمنح طرح اسمها في هذا السياق بعداً إضافياً للنقاش، إذ ستكون في حال اختيارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المغرب. غير أن وصول امرأة إلى هذا المنصب سيطرح، إلى جانب الاعتبارات السياسية والحزبية، أسئلة بروتوكولية ودستورية جديدة، من بينها موقع رئيسة الحكومة في بعض المراسم الرسمية ذات الطابع الديني التي يحضرها الملك بصفته أميراً للمؤمنين.
وتبقى هذه المسألة، في حال حدوثها، مرتبطة بكيفية تنظيم البروتوكول الرسمي لهذه المناسبات، ولا سيما الصلوات والمناسبات الدينية التي يخضع ترتيب المشاركين فيها لقواعد دينية وبروتوكولية ظلت حتى الآن مرتبطة بحضور رجالي في الصفوف الرسمية.

زوايا ميادين + وكالات




زوايا ميادين | Mayadin Columns صوت من لا صوت له | الإعلام البديل