
ليس أخطر ما في عقوبة الإعدام أنها تنهي حياة الإنسان فحسب، بل إن الخطر يتضاعف حين تتحول هذه العقوبة من إجراء تنفذه الدولة في إطار نظامها القضائي إلى مشهد علني وعمومي يُعرض على الجمهور، وتُفتح أمامه الشاشات لمتابعة لحظة تنفيذ الحكم. وعندئذ لا نكون أمام مجرد نقاش حول شرعية العقوبة أو مدى فعاليتها، بل أمام سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة الحديثة، والدولة الأمريكية، وحدود سلطتها العقابية، والقيم التي يفترض أن تحكم العدالة الجنائية فيها.
إن القرار الأمريكي المتعلق بالضابط نضال حسن، العامل في صفوف الجيش الأمريكي، والمدان في قضية إطلاق النار التي شهدتها قاعدة فورت هود بولاية تكساس سنة 2009، أثار النقاش حول تنفيذ عقوبة الإعدام وبشاعة أساليب التنفيذ إلى الواجهة بقوة غير مسبوقة، بعد أن وافق الرئيس دونالد ترامب على تنفيذ حكم الإعدام، وحددت السلطات العسكرية يوم 3 ديسمبر 2026 موعدًا لتنفيذه رميًا بالرصاص، وقررت بث التنفيذ مباشرة للجمهور.
إن خطورة هذا القرار لا تكمن فقط في اختيار وسيلة تنفيذ العقوبة، وإنما في الرغبة المعلنة في نقل مشهد الموت من فضاء التنفيذ المحدود إلى الفضاء العام المفتوح، حيث يمكن أن يتحول الحكم القضائي إلى مادة للمشاهدة الجماعية والإثارة الإعلامية.
لماذا الاستعراض العلني للموت؟
تقتضي العدالة الجنائية التمييز بين إدانة الجريمة، وتحديد العقوبة المقررة قانونًا للجاني، والطريقة التي تنفذ بها الدولة تلك العقوبة، إذ حتى عندما يصدر حكم بالإعدام في جريمة بالغة الخطورة، لا يعني ذلك أن الدولة تصبح مطلقة الحرية في تحويل تنفيذ الحكم إلى مشهد جماهيري أو فرجة تدفع إلى الرغبة في الرقص وشرب الأنخاب، بعد أن تم التراجع عن هذه الطريقة بالولايات المتحدة الأمريكية بفعل عدة تحولات قانونية وسياسية، وبعد أن تمت آخر عملية تنفيذ علني سنة 1939 بولاية كنتاكي. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل تحتاج العدالة إلى عرض الموت حتى تثبت قوتها؟
وهل تصبح العقوبة أكثر عدلًا أو فعالية عندما يشاهدها الملايين؟
إن الجواب الذي تفرضه فلسفة العدالة الحديثة هو أن قوة الدولة لا تقاس بقدرتها على إظهار الموت أو بشاعة العقاب، وإنما بقدرتها على تطبيق القانون في إطار منضبط ومشروع، يحمي المجتمع ويحفظ الحقوق ويصون كرامة الإنسان. فالعقوبة ليست مسرحية، والمحكمة ليست منصة لاستعراض العضلات، والتنفيذ ليس مادة للترفيه أو التشفي الجماعي، ورؤساء الدول والحكام ليسوا ذئابًا يشتاقون إلى الدماء، يروون بها عطش همجيتهم، كما هو شأن الرئيس ترامب، الذي تقتل سياسته الأرواح وتسِيل الدماء في كل مكان.
فإذا كان من حق المجتمعات أن تعرف كيف تطبق الدولة القانون، وأن تمارس الرقابة على السياسات العمومية في هذا الصدد، فلا شك أن استعراض الموت وتنفيذ عقوبة الإعدام على الشاشة وأمام الجمهور مباشرة لا بد من أن يظل في حدود المسموح به في القانون الدولي، وبالخصوص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تحظر المادة 20 منه كل دعوة أو تحريض على القتل والعداوة والعنف، وما يسببه عرضه من أضرار نفسية أو أخلاقية، وخصوصًا للأطفال… مما يجعل قرار الرئيس ترامب عملة للرعب داخل الولايات المتحدة وخارجها، وهو ما قد يدفعه إلى خلق منصب سامٍ في إدارته بالبيت الأبيض، وهو منصب كاتب الدولة في سياسة تنفيذ عقوبة الإعدام الأكثر وحشية، والتي قد ترشحه لنيل جائزة ابتكار وسيلة إعدام قد يفتخر بقيمتها أكثر من قيمة جائزة نوبل…
تنفيذ الإعدام تحريض على العدوان والانتقام والعنف؟
تريد الولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها أن يجعلا من تنفيذ الإعدام في حق السجين نضال حسن عنوان بطولة وانتصارًا ضد الجريمة، وهذا ما يبرر، في نظرهما، البث المباشر للحظة تنفيذ العقوبة لكي يدرك الجميع العواقب القصوى للأفعال الجرمية التي يرتكبونها.
وهذه أكذوبة مفضوحة، لأن الردع الجنائي لا يتوقف بفعل شدة العقوبة وحدها، وإنما يتأثر بالأساس بثقة الجمهور في نظام قضائي مستقل وعادل، وفي تنظيم محاكمات عادلة، وفي التطبيق الحقيقي للقانون، مما يقوض العقوبات القاسية والطويلة الأمد، بما فيها عقوبة الإعدام، وتبقى الدعوة إلى تنفيذها دعوة للانتقام. استكشفالقضايا
لما يتم تسخير عقوبة الإعدام للاستهلاك ولأهداف أيديولوجية وانتخابية:
كما هو حال بعض المحافظين بالمغرب ممن يبررون الإبقاء على عقوبة الإعدام بخلفيات أيديولوجية أو دينية، أو سياسوية تحريضية انتخابية شعبوية، فإن الرئيس ترامب، الذي استعمل تنفيذ عقوبة الإعدام قبل نهاية ولايته الأولى لاستمالة أتباعه وغيرهم ممن يحاربون الأجانب ويعتبرونهم سبب إفلاس أوضاعهم المجتمعية وويلاتهم مع نظامهم القانوني والقضائي…، وجد ملف السجين نضال حسن ليجدد التجربة ويعود بها من سنة 1936 إلى سنة 2026، وهو يقترب من نصف الولاية الحالية، ويقرر تنفيذ عقوبة الإعدام بالرصاص وبأيدي الجيش وأمام الشاشات، حتى يستقطب العواطف والمساندة، ويستقطب الرأي العام والإعلام والكونغرس، وكذا الأمريكيين في العديد من الولايات، نحو المصرين على تنفيذ الإعدام، وحتى يعرقل بذلك مسيرة بعضها نحو إلغاء عقوبة الإعدام، وحتى يقلب مسيرة الدول الأعضاء بالجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي تتأهب وتسير نحو موعد للتصويت على الموراتوار، أي على قرار وقف تنفيذ عقوبة الإعدام على المستوى الدولي، وهو القرار الذي سيُعرض للتصويت بالجمعية العامة بداية شهر دجنبر 2026.
ومن هنا، فالأمر يبدو واضحًا من وراء مناورة تنفيذ حكم الإعدام في حق نضال حسن، كأسلوب في صناعة الشهرة ونشر النفوذ للرئيس ترامب، وليس خدمة للعدالة، وليس حبًا في حكم قضائي واحترامه وتفعيله، ولا مواجهة للجريمة وردعها، ولا تخويفًا للمنحرفين أو الجناة المقبلين…، بل إن الأمر يقف فقط عند غرور رئيس وحماقة سياسة شخصية فردية له، وخدمة لمقاربة غير إنسانية لرئيس لمفهوم العقوبة وفلسفتها، وطمع على المدى البعيد لرئيس في ولاية ثانية، ثمنها الإجهاز على الحق في الحياة بصور مهينة وحاطة من الكرامة، كما هو حال القتل المباشر وغير المباشر الذي تعرض له الشعب الفلسطيني بسلاح ترامب السياسي والعسكري، بواسطة مجرمي الحرب الصهاينة.
لقد ترسخت في حياة ونفسية الرئيس ترامب مشاهد الرعب والاضطراب وصور المآسي الإنسانية، وألِف رؤية الموت بعشرات الآلاف من الأطفال والنساء والعجزة، ولم يعد له أي وازع يتراجع به عن صناعة الموت، فأصبحت قسوة القتل عنده سياسة، واستهداف الحق في الحياة ثقافة، وأصبح الخلط بين الشخصي والسياسي عنده يقوم على استبعاد كل ما هو إنساني بشري حقوقي وقانوني من قاموسه، وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية، دولة الدستور والحقوق وإعطاء الدروس، ترفض تطبيق مبادئ الدستور في بلدها، وتناهض العدالة في العالم، وتشجع على جرائم الدول والكيانات، كما هو حالها مع قضاء المحكمة الجنائية الدولية، وما الجرائم التي ارتكبها نتنياهو ومن معه…
إن لضحايا الجريمة حقوقًا وكرامة، كما أن للمذنبين حقوقًا وكرامة، وكرامة الضحايا وكرامة الإنسان المحكوم بعقوبة ليستا بالضرورة قيمتين متعارضتين. كما أن الاعتراف بحقوق الضحايا لا يمنع المجتمع من مساءلة الدولة عن الوسائل التي تعتمدها في تعاملها مع السجناء ومع تنفيذ أحكامها، وكل تحريف لهذه المعادلة يعتبر انزلاقًا نحو الانتقام، كما هو حال قرار إعدام نضال حسن أمام الشاشة وأمام الجمهور دون أخلاق.
فيا أيها المناهضات والمناهضون لعقوبة الإعدام بالعالم، قفوا أمام قرار الرئيس ترامب إشهار القتل، وناهضوا رسالة الرئيس ترامب التي يريد بها أن يجعل من عقوبة الإعدام وتنفيذها مزيجًا بين الانتقام والفرح والنشوة والفرجة… أنقذوا حياة نضال حسن من تنفيذ الإعدام المحدد بتاريخ 3 دجنبر 2026 بقاعدة عسكرية بتكساس رميًا بالرصاص….





زوايا ميادين | Mayadin Columns صوت من لا صوت له | الإعلام البديل