
في السياسة الإسرائيلية، لا تأتي التصريحات الأمنية عاريةً من السياق السياسي. وحين يخرج بنيامين نتنياهو قبل 28يومًا فقط من انتخابات 27 أكتوبر 2026، من قاعدة تل نوف الجوية ليعلن أن لديه مؤشرات على ان اعداء اسرائيل قد يحاولون مهاجمتها قبل الانتخابات، فهنا على دول الجوار ان تتساءل هل هناك تهديد أم لا و ما طبيعة هذا التهديد، وما الذي نعرفه عنه فعلًا، وما الذي لا نعرفه؟
حتى الآن، المعلومة المعلنة محدودة للغاية. نتنياهو لم يسمِّ جهة بعينها، ولم يحدد مصدر المؤشرات، ولا طبيعة الهجوم المحتمل، ولا نطاقه الزمني، ولا ما إذا كانت هناك تغييرات فعلية في حالة التأهب رغم زياراته المكوكية والتي كانت أخرها لدولة خليجية ..
نحن في مرحلة اصبح فيها اخفاء المعلومات صعب خاصة بعد ما حصل من كشف للبيانات في البنتاغون . والتنافسية الاعلامية التي تفضح اي معلومات مهمة .
كان الهدف من الزيارة تنسيق بين رؤساء الاركان بما يحدث في اليمن والمساعدات العسكرية وملف العتاد العسكري واحتواء التقارير من تسريبات و تحذيرات امارتية ومصرية لحكومة الكيان عن احداث ال7 من اكتوبر لانها تطيح بمصداقية نتنياهو وقت الانتخابات . و تطورات الاوضاع في اثيوبيا والتحالف الذي يضم 7 تكتلات في اثيوبيا وضرورة حماية النظام الاثيوبي . ولتكاتف الجهود ضد اليمن .باعتبار البحر الاحمر من مناطق النفوذ وضرورة تأمين الأمن بالقوة. والدفع الامريكي لمواجهة ايران من ناحية الشرق وتقديم الكيان الصهيوني ليكون هو الراعي والحامي وتجاوز عقبة الانتخابات .
الجدل هنا ان نتنياهو إكتفى بالقول إن الأعداء قد يحاولون الهجوم، متبوعًا برسالة ردع شديدة اللهجة في خطاب يجمع بين الأمن واستعراض القدرة العسكرية. وهنا تبدأ المنطقة الرمادية.
الأكثر أهمية أن المعارضة الإسرائيلية نفسها تعاملت مع المسألة باعتبارها تحتاج إلى تدقيق مؤسسي. وهذه ليست شهادة على أن تحذير نتنياهو مفبرك، لكنها تكشف أن المشكلة الأساسية أصبحت مشكلة ثقة وآلية تحقق. وهنا تكمن المفارقة السياسية الأعمق.
لذلك فإن أي تحذير أمني يصدر من رئيس الحكومة في هذا التوقيت يحمل قراءتين متوازيتين لا يجوز دمجهما تعسفًا، الأولى أمنية، تقول إن رئيس الوزراء قد يكون يستند فعلًا إلى تقديرات استخباراتية لا يستطيع كشفها. والثانية سياسية، تقول إن الأمن القومي نفسه يتحول، بحكم التوقيت والسياق، إلى عنصر مؤثر في الخطاب الانتخابي. وهذه ليست مسألة نظرية.
فالتاريخ السياسي الحديث يوضح أن الأزمات الأمنية قادرة على إعادة ترتيب أجندة الناخبين بصورة عميقة، فالخوف من الخارج يعيد النقاش إلى قضايا الأمن والردع والجيش، ويمنح القادة الموجودين في السلطة منصة طبيعية للظهور باعتبارهم أصحاب القرار في لحظة الخطر. وتقرير لرويترز عن الحملة الانتخابية الحالية أشار إلى اعتماد نتنياهو مجددًا على صورته السياسية باعتباره الرجل الذي يقدم نفسه حاميًا لأمن إسرائيل، في ظل انتخابات 27 أكتوبر.
لكن الصورة لا تكتمل من دون النظر إلى التحركات العسكرية.
في 28 سبتمبر أفادت تقارير إسرائيلية بوصول سربين من الطائرات المقاتلة الأمريكية حوالي 12 طائرة F-22 رابتور إلى قاعدة عوفدا جنوب إسرائيل، وانضمامهما إلى طائرات أمريكية موجودة أصلًا هناك. إلا أن مسؤولين أمنيين إسرائيليين نقلت عنهم التقارير قالوا إن الحركة تبدو مرتبطة بإعادة تموضع أوسع للقوات الأمريكية في المنطقة، ولا تعني بالضرورة تصعيدًا أو رفعًا لمستوى التأهب تجاه إيران.
وهنا تحديدًا يجب القفز من التزامن إلى المؤامرة. وجود زيارة سياسية، وتحرك عسكري أمريكي وتحذير من هجوم محتمل، وانتخابات قريبة، كلها وقائع متزامنة..اذا ربطنا الاحداث معا قد تؤشر الى حدث ما أكبر.
الخلاصة الأكثر عقلانية أن هجومًا يُحضَّر حتمًا.
وفي السياسة، أخطر ما يمكن أن يحدث للرأي العام هو أن يتحول الاحتمال إلى حقيقة بمجرد تكراره، وأن يتحول الخوف إلى دليل، وأن يصبح الغموض نفسه مادةً لبناء رواية مكتملة.
لكن من ستهاجم إسرائيل قبل الانتخابات. ولمن ستوجه الضربة الكبرى و من يملك المعلومات ومن يراقب استخدامها.ومن يضمن ألا تتحول المعلومة الأمنية، الحقيقية أو المزعومة إلى أداة داخل معركة انتخابية؟.
فهناك فرق هائل بين أن تحذر دولة مواطنيها من خطر حقيقي، وبين أن يصبح الخوف نفسه جزءًا من السياسة. وهذا الفرق لا يحسمه الخطاب، ولا الصور القادمة من قواعد الطائرات، ولا العناوين المثيرة بل تحسمه المعلومات القابلة للتحقق والفصل بين أمن الدولة ومصلحة السلطة.

د. ميساء المصري – كاتبة سياسية من الأردن




زوايا ميادين | Mayadin Columns صوت من لا صوت له | الإعلام البديل