كولومبيا.. “فقدنا ما جمعناه طوال حياتنا”.. كولومبيون يتحدثون عن المشهد بعد الزلزال

يقول برونو سانستيدي من حي ميلان في مانيزاليس “فقدت أنا وجيراني ما جمعناه طوال حياتنا. لا نعرف إن كان من الممكن إنقاذ هذا المبنى أم لا؟”.

وأوضح أن السكان ينتظرون تقييما فنيا نهائيا قد يستغرق، بحسب ما أُبلغوا، ما بين 15 و20 يوما. يتحدث برونو فيما كانت ممتلكات سكان المبنى الذي يقيم فيه مكدسة في الشارع. فقد اضطر هو وجيرانه إلى إخلاء المبنى بعد الزلزال، ولا يعرفون حتى الآن ما إذا كانت الأضرار التي لحقت به دائمة، أو إن كانوا سيتمكنون من العودة إلى شققهم.

وتُعرف مدينتا بيريرا ومانيزاليس، الواقعتان في قلب ما يُسمى بـ”محور القهوة” في وسط غرب كولومبيا، بمزارع البن الممتدة على المرتفعات المحيطة بهما، وتُعدّان من أبرز الوجهات السياحية في البلاد، خصوصا للزوار الراغبين في اكتشاف زراعة القهوة ومراحل إنتاجها في بلد يأتي ضمن كبار مصدريها في العالم.

لكنْ صباح الاثنين 10 أغسطس/آب الجاري، تبدّل المشهد بعدما ضرب زلزال قوي كولومبيا عند الساعة 7:34 بالتوقيت المحلي. وبلغت قوته 7.4 درجات، وشعر به السكان في مناطق واسعة من البلاد، ووصلت الهزة إلى دول مجاورة، بينها الإكوادور وبنما.

خسائر جسيمة

سُمح، في الوقت الراهن، للسكان فقط بالدخول لإخراج أغراضهم. يقول برونو إن ممتلكات السكان باتت في الشارع، بينما هب متطوعون من أنحاء مانيزاليس لمساعدتهم مجانا، سواء بتوفير وسائل لنقل الأغراض أو الطعام، أو بعرض أماكن للإقامة وأخرى لتخزين ممتلكاتهم.

وكانت هيئة المسح الجيولوجي الكولومبية قد حددت مركز الزلزال في بلدية سان خوسيه ديل بالمار، في مقاطعة شوكو غربي البلاد، وعلى عمق 103 كيلومترات. وكانت بيريرا ومانيزاليس من بين المدن التي سجلت أضرارا كبيرة، إلى جانب كالي، ثالث أكبر مدن كولومبيا، وكيبدو، عاصمة مقاطعة شوكو.

وارتفعت حصيلة الضحايا مع تواصل عمليات البحث والإنقاذ في المناطق المنكوبة. وبحسب آخر حصيلة متاحة، قُتل أكثر من 273 شخصا وأصيب 3800 آخرون، فيما لا تزال فرق الإنقاذ تبحث عن مفقودين وسط الأنقاض. كما تضررت آلاف المنازل، إلى جانب مدارس ومراكز صحية وشبكات مياه ومطارات، فيما أدت الأضرار إلى انقطاع بعض الخدمات الأساسية في المناطق المنكوبة.

الخوف من الهزات الارتدادية

لكنّ برونو يقول إن عمليات النقل تعطلت بسبب زيارة مرتقبة للرئيس أبيلاردو دي لاسبيرييا إلى المنطقة المتضررة، وهو ما أثار غضبه. ويضيف: “ما الأولوية؟ أن يأتي الرئيس لالتقاط الصور، أم أن نحصل الآن على مساعدة الناس الذين يتضامنون معنا؟”.

ويزداد قلقه بسبب احتمال وقوع هزات ارتدادية بينما لم يتمكن السكان بعد من إخراج جميع ممتلكاتهم. ويتساءل: “ماذا لو وقعت هزة ارتدادية وانهار المبنى؟ من سيعوضنا عما نملكه؟”. وبالنسبة إلى برونو، لا يتعلق الأمر فقط بفقدان مكان للسكن، بل بحالة انتظار ثقيلة لا يعرف خلالها السكان إن كانت بيوتهم لا تزال قابلة للإنقاذ.

أما مارسيلا، فتصف ما تمر به مانيزاليس بأنه وضع “حرج للغاية” بالنسبة إلى مدينة اعتاد سكانها، كما تقول، على الهدوء واستقبال الزوار الذين يقصدونها خصوصا خلال مهرجاناتها.

وتقول “إنه أمر محزن جدا لجميع سكانها، لكننا نعرف أننا قادرون على النهوض من جديد، فنحن أناس مكافحون وأقوياء رغم الظروف”.

وتضع مارسيلا التضامن في مقدمة ما تحتاج إليه المدينة حاليا، خصوصا لمساعدة الذين فقدوا منازلهم. وتعدد من بين الاحتياجات الأكثر إلحاحا، الطعام ومواد النظافة والمساعدة في إيواء المتضررين، مضيفة أن المدينة تحتاج كذلك إلى “الوحدة والتضامن مع الآخرين”.

وتأمل مارسيلا أن تتلقى المناطق المنكوبة دعما من خارج كولومبيا أيضا، قائلة إن المساعدة التي يمكن أن تقدمها دول أخرى “ستكون مهمة جدا بالنسبة إلينا”. غير أن الرئيس الجديد، الذي نُصّب قبل 3 أيام فقط من وقوع الكارثة، أعلن أنه لن يقبل فرق إنقاذ إلا من 4 دول حليفة، هي الولايات المتحدة وإسرائيل والإكوادور والسلفادور، فيما رفض استقبال الفرق التي أبدت المكسيك استعدادها لإرسالها.

وعلى خلاف غضب برونو من تعطيل نقل ممتلكات السكان بسبب زيارة الرئيس، تقيّم مارسيلا تعامل السلطات بإيجابية، وتقول إن الشرطة قدمت الكثير من المساعدة، وإن البلدية والحكومة تتابعان أوضاع السكان المتضررين.

وتختصر ما غيّره الزلزال في نظرتها إلى الحياة بقولها “نشكر الله كل يوم على يوم جديد، لأننا هنا اليوم ولا نعرف ماذا سيحدث غدا. علينا أن نساعد بعضنا، لأن اليوم نحن من نعيش هذا، وغدا قد تكونون أنتم”.

وضع مدمر ومحزن

وفي بيريرا المجاورة، لم ينتظر سنايدر وصول المساعدة ليتحرك. انضم إلى المتطوعين الذين يعملون منذ وقوع الزلزال لمساعدة المتضررين والبحث عن المفقودين. عائلته نجت، لكنه يقول إن ذلك لا يكفي ليشعر بالاطمئنان.

“عائلتي بخير، لكنْ ليس كل أهلي بخير”، يقول سنايدر، موضحا أنه لا يقصد أقاربه فحسب، بل “العائلة الكولومبية وعائلة بيريرا”.

يصف الوضع في المدينة بأنه “مدمر ومحزن”، لكنه يتحدث في الوقت نفسه عن موجة كبيرة من التضامن بين السكان. ويقول إن الطعام والمياه يصلان بكميات كافية إلى المتطوعين والمتضررين ليلا ونهارا، بينما تتركز الحاجة حاليا على وسائل النقل والمعدات التي تسمح للمتطوعين بالوصول إلى مختلف المناطق.

وبالنسبة إليه، تستمر المهمة حتى عندما لا يعود هناك أمل في العثور على ناجين. ويؤكد: “نريد أن نعمل ونساعد، حتى عندما يتعلق الأمر بأشخاص فارقوا الحياة، لكي نمنح عائلاتهم على الأقل راحة العثور عليهم ودفنهم بسلام”. ويضيف أن مصير كثيرين لا يزال مجهولا.

ويرى سنايدر أن المرحلة المقبلة ستتطلب كذلك مساعدة الأشخاص الذين فقدوا كل شيء وأصبحوا في مراكز الإيواء، معتبرا أن هؤلاء سيكونون الأكثر حاجة إلى الدعم الاقتصادي بعد انتهاء عمليات الطوارئ.

أشخاص تحت الأنقاض

وعلى غرار سنايدر، أمضى أندريس أوكامبو الساعات التي أعقبت الكارثة متطوعا في عمليات البحث. يقول إن مجموعة من الشباب قررت النزول إلى الشارع ومساعدة مدينتها، وإنهم ظلوا يحفرون طوال يومين على أمل العثور على شخص بين أنقاض أحد المباني.

“نحن متطوعون لأننا قررنا مساعدة مدينتنا، ولأننا شباب ما زلنا نؤمن بشيء ولم نفقد الأمل. كنا نأمل أن نعثر على شيء، على شخص، داخل ذلك المبنى”.

لكنّ عمليات الحفر توقفت يوم الثلاثاء، بحسب شهادته، نحو السادسة والنصف مساء، بعدما أُبلغ المتطوعون بأنه لن يُسمح لهم بمواصلتها. ويقول أندريس “نعرف أن هناك أشخاصا مدفونين. الأمر مؤلم، لأن هناك عائلات لا تعرف أين يوجد أقاربها، وقد يكونون هناك تحت الأنقاض”.

وبعد يومين من العمل، يرى أندريس أن المشكلة الأساسية ليست نقص المتطوعين أو الطعام والمياه، وإنما المعدات: “هناك الكثير من الناس. لدينا طعام وماء، لكنّ ما ينقصنا هو الآليات”.

ويوضح أنه واصل العمل من دون نوم رغم عدم وجود أحد من أفراد أسرته بين المفقودين: “ليس لدي قريب مدفون، ومع ذلك بقيت هنا من دون نوم أساعد”. ويختصر نظرته إلى ما تمر به البلاد بعبارة: “كولومبيا قوية، وتتجاوز كل شيء”.

أحياء بلا ماء ولا كهرباء

وفي منطقة بروفيدنسيا في بيريرا، يصف خوان بابلو آثار الزلزال بأنها “فظيعة”، رغم أنه ومن كانوا برفقته لم يصابوا بأذى. ويقول إن السكان يحاولون مساعدة بعضهم بعضا: “علينا أن ننزل ونرى ما يحتاج إليه جارنا، وأن نبقى مستعدين لمساعدة الجميع”.

لكنّ الحياة اليومية في المنطقة أصبحت أكثر صعوبة مع انقطاع خدمات أساسية. ويقول خوان بابلو: “في الوقت الحالي لا توجد مياه ولا كهرباء”، مضيفا أن السكان يحتاجون كذلك إلى الكمامات والمياه وإعادة التيار الكهربائي.

ويدعو إلى تقديم المساعدة للمتضررين، بما في ذلك من خارج كولومبيا، معتبرا أن المساهمات مهما كانت صغيرة يمكن أن تحدث فرقا بالنسبة إلى الأشخاص الموجودين في المناطق المنكوبة.

أما عن استجابة السلطات، فيقول إن رئيس البلدية كان حاضرا وإن فرقا انتشرت في عدة مناطق، مضيفا: “رأينا رجال الإطفاء وسيارات الإسعاف، ورأينا الكثير من الأشخاص يعملون في هذه اللحظات”.

المصدر: الجزيرة

World Opinion | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La voix Des Sans-Voix | Alternative Média

شاهد أيضاً

زلزال فنزويلا: كاراكاس تعيش أصعب لحظة في تاريخ البلاد الحديث.. فيديو

تواجه المستشفيات الواقعة على طول الساحل الشمالي وضعاً حرجاً للغاية. إذ يحاول نظام الرعاية الصحية، الذي عانى من نقص التمويل لعقود، التعاملَ مع حجم طلب يمثل تحدياً صعباً حتى بالنسبة للدول التي تتمتع ببنية تحتية أفضل بكثير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
12 × 9 =