
برفقة ثلاثة من أبنائها، تتحرك خديجة داخل مكتبة في منطقة حي الغزالة بمحافظة أريانة التونسية، حاملة قائمة طويلة من المستلزمات المطلوبة للعودة المدرسية.
بين الحقائب والكتب والدفاتر والأدوات والملابس، تحاول خديجة ضبط ميزانية أعدتها العائلة مسبقا للعودة المدرسية، لكنها تقول إن الحسابات لا تنتهي عند قائمة المستلزمات.
وتوضح خديجة للجزيرة نت: “لقد جهزنا في العائلة ميزانية للعودة، لكن دائما هناك زيادات جديدة كل عام”.
وتضيف أن ما ستدفعه الأسرة الآن ليس سوى بداية المصاريف، إذ تتواصل على امتداد السنة مع الأقساط المدرسية والدروس الخصوصية وتجديد المستلزمات، مؤكدة أن كلفة التلميذ الواحد في مدرسة عمومية قد تصل، وفق تقديرها، إلى ما بين 2000 و2500 دينار تونسي (نحو 685 إلى 856 دولارا) في السنة الدراسية.
بالنسبة إلى خديجة، لا تكمن المشكلة في كلفة العودة المدرسية وحدها، وإنما في المصاريف التي ترافق التلميذ طوال العام، وتحوّل التعليم العمومي المجاني إلى عبء متواصل على ميزانية الأسرة.
من مصاريف العودة إلى كلفة سنة كاملة
تؤكد هذه التجربة أن السؤال لم يعد كم ارتفعت أسعار الأدوات المدرسية؟ وإنما كم تكلف سنة دراسية كاملة الأسرة التونسية؟
يقول رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك لطفي الرياحي للجزيرة نت إن كلفة العودة المدرسية وحدها تتراوح بين 600 و700 دينار للتلميذ الواحد في المرحلة الابتدائية، وترتفع إلى نحو 800 دينار في المرحلة الثانوية.
وتشمل هذه الكلفة، وفق المنظمة، الكتب والدفاتر والأدوات المكتبية والمحفظة (الحقيبة المدرسية) والملابس المدرسية والرياضية.
لكن هذه ليست سوى النفقات التي تسبق انطلاق السنة الدراسية، إذ تتجدد المصاريف شهريا وظرفيا، خصوصا مع الدروس الخصوصية والحاجة إلى تجديد بعض المستلزمات.
ويقدر الرياحي ما يتم دفعه شهريا للدروس الخصوصية في المادة الواحدة بما بين 80 و100 دينار بحسب المستوى الدراسي. ويقول إن التلميذ يحتاج في المتوسط إلى دروس خصوصية في 3 مواد، مما يجعل هذه النفقات عبئا إضافيا على الأسر.
وبذلك، فإن أسرة لديها أكثر من طالب لا تواجه مصروفا موسميا مرتبطا بالعودة المدرسية فقط، بل ميزانية تعليم تمتد على كامل السنة.
متى يتحول التعليم المجاني إلى تعليم مكلف؟
في تونس، تضمن الدولة التعليم العمومي مجانا، لكن الأسرة تتحمل جزءا من الكلفة غير المباشرة المرتبطة بالدراسة.
وهذه الكلفة تختلف بحسب عدد الأبناء، ومكان السكن، ووسيلة النقل، وحاجة الطفل إلى الدروس الخصوصية، فضلا عن قدرة الأسرة على تحمل نفقات إضافية.
ويقول رئيس جمعية أولياء التلاميذ، رضا الزهروني، للجزيرة نت: “لم يعد بالإمكان الحديث عن مجانية التعليم”.
ويربط الزهروني ذلك خصوصا بانتشار الدروس الخصوصية، التي تكلف أولياء الأمور سنويا نحو 3 ملايين دينار، وفق تقديره.
وبالنسبة إليه، فإن مشكلة التعليم لا تقاس فقط بما تدفعه الأسرة عند بداية السنة، وإنما بما تحتاج إلى إنفاقه لضمان استمرار أبنائها وتحسين نتائجهم.
حين يصبح التعليم الخاص خيارا اضطراريا

التكلفة لا تقف عند حدود التعليم العمومي. فبعض الأسر تختار التعليم الخاص، ليس بالضرورة لأنها قادرة على تحمل كلفته، وإنما لأنها ترى فيه ضمانة أفضل لمستوى تعليم أبنائها.
حكيم بن صالح اختار المدرسة الخاصة لتعليم أبنائه، ويقول للجزيرة نت إن التعليم العمومي “بات يفتقد الجودة”، وإن الأسرة أصبحت مضطرة، حسب تقديره، إلى اللجوء إلى المدارس الخاصة لضمان حصول أبنائها على تعليم جيد.
لكن الانتقال إلى التعليم الخاص يفتح بابا جديدا من النفقات. ويقول بن صالح إن التلميذ في المدرسة الخاصة يتحمل، إلى جانب كلفة المستلزمات العادية، مصاريف أخرى مرتبطة بالمؤسسة.
ورغم أن المدرسة التي اختارها تقع في حي متوسط وليست في منطقة راقية، فإن كلفة تعليم أبنائه الثلاثة تصل، وفق قوله، إلى نحو 10 آلاف دينار سنويا، أي ما يقارب 3 آلاف دولار.
وهكذا تتحول مجانية التعليم العمومي إلى سؤال مرتبط أيضا بجودة الخدمة التعليمية: هل يكفي أن يكون التعليم العمومي متاحا مجانا إذا كانت بعض الأسر ترى أن ضمان مستوى تعليمي أفضل يتطلب دفع آلاف الدنانير سنويا؟
دور الدولة
في المقابل، تحاول الدولة التعامل مع ارتفاع كلفة الدراسة، ضمن حزمة إجراءات لمساعدة العائلات محدودة الدخل على تأمين مستلزمات عودة أبنائها.
وناقش مجلس وزاري انعقد مؤخرا، برئاسة رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، الاستعدادات للعودة المدرسية والجامعية والتكوينية، مع التأكيد على استكمال أعمال الصيانة والتهيئة وتوفير الماء والتجهيزات والكتب والدفاتر المدعومة، إلى جانب تأمين النقل والإقامة والإعاشة وتعزيز الصحة المدرسية.
وأقرت الحكومة اعتمادات إضافية بقيمة 67 مليون دينار، نحو 23 مليون دولار، لفائدة برنامج المساعدات الاجتماعية، بهدف دعم العائلات محدودة الدخل وتوفير مساعدات مالية وعينية، إلى جانب مجانية النقل بالنسبة إلى المستحقين.
هل أصبح المال شرطا للنجاح؟
بالنسبة إلى أولياء التلاميذ، تتجاوز المسألة كلفة العودة المدرسية إلى سؤال العدالة التعليمية. فالطفل الذي تستطيع أسرته تحمل كلفة الدروس الخصوصية والنقل والمستلزمات الإضافية لا يواجه بالضرورة الظروف نفسها التي يواجهها طفل من أسرة محدودة الدخل.
ويقول رضا الزهروني إن متابعة نسب الانقطاع المدرسي والنتائج الدراسية حسب الجهات يمكن أن تكشف العلاقة بين الفقر والدراسة والنجاح.
ويضيف أن مؤشرات مثل تتبع خريطة المدارس والطلاب والنتائج المدرسية تكشف، في رأيه، حجم التفاوت بين الأسر والجهات، ومدى تأثير القدرة على الإنفاق في فرص النجاح الدراسي.
من جهته، يرى لطفي الرياحي أن تخفيض كلفة المستلزمات يمكن أن يبدأ أيضا من الإنتاج المحلي، داعيا إلى توفير مواد مدرسية تونسية، معتبرا أن ذلك يمكن أن يخفض الكلفة بنحو 30%.
وفي الحالتين، يتجاوز النقاش سعر المحفظة (الحقيبة المدرسية) أو الكراس (الدفتر)، إذ يتعلق الأمر بما إذا كانت القدرة المالية للأسرة أصبحت عاملا مؤثرا في قدرة الطفل على مواصلة تعليمه وتحقيق نتائج جيدة.
ماذا تبقى من مجانية التعليم؟
تظل المدرسة العمومية التونسية مجانية في المبدأ، ولا تدفع الأسرة مبلغا ماليا مقابل دخول أبنائها إلى المؤسسة العمومية. لكن تجربة الأسر تكشف أن التعليم لا يبدأ عند باب المدرسة ولا ينتهي بانتهاء ساعات الدراسة.
وبين أسرة تحاول تدبير آلاف الدنانير لتأمين سنة دراسية في التعليم العمومي، وأخرى تدفع أضعاف ذلك في التعليم الخاص، تبرز فجوة تتجاوز القدرة على شراء المستلزمات. إنها فجوة في القدرة على الوصول إلى تعليم ذي جودة.
وهنا يصبح السؤال الذي تفرضه العودة المدرسية في تونس في عام 2026 ليس ما إذا كان التعليم العمومي مجانيا قانونيا، وإنما: ماذا تعني هذه المجانية فعليا لأسرة مطالبة بتمويل كل ما يحيط بالعملية التعليمية؟
فإذا أصبحت جودة التعليم مرتبطة بقدرة الأسرة على دفع تكاليف إضافية، وإذا كان النجاح الدراسي يتأثر بالقدرة على تمويل الدروس الخصوصية والخدمات المرتبطة بالدراسة، فإن مجانية التعليم تظل قائمة من الناحية القانونية، لكن كلفتها الفعلية تتوزع بين الدولة والأسرة.
وهنا ربما تكمن الإجابة عن السؤال الذي تطرحه العودة المدرسية: ماذا تبقى فعليا من مجانية التعليم في تونس؟
المصدر: الجزيرة




زوايا ميادين | Mayadin Columns صوت من لا صوت له | الإعلام البديل