مساجد المغرب في رمضان… فضاء لتبرع بالدم

منذ مطلع شهر رمضان، تحوّلت العديد من مساجد المغرب بعد أداء صلاتي العشاء والتراويح، إلى فضاءات للتشجيع على التبرع بالدم، وفقاً للبروتوكولات الصحية المعتمدة، في محاولة لسد النقص وتأمين احتياجات المرضى.

“التبرع يمنحك شعوراً بالراحة وبالانتماء إلى المجتمع، ويفتح أمامك الفرصة لمساعدة الآخرين. الأجواء الروحية التي تميّز هذا الشهر، وما يرتبط بها من قيم الكرم والعطاء والتضامن، شجعتني على الإقبال على التبرع بالدم باعتباره صدقةً جاريةً ومساهمةً مباشرةً في إنقاذ الأرواح”، يقول الأربعيني أسامة عاطفي بعد مشاركته في حملة تبرع بالدم عقب صلاة عشاء الثاني عشر من رمضان (2 مارس/ آذار الجاري) في مسجد محمد السادس بمدينة الناظور (شمال شرقي المغرب) التي يُشرف عليها المجلس العلمي المحلي، بتنسيق مع المندوبية الإقليمية للشؤون الإسلامية والوحدة الإدارية لمؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للقيمين الدينيين، والوكالة المغربية للدم ومشتقاته (حكومية) بجهة الشرق.

ويؤكد في حديثه لـ”العربي الجديد”، أن البعد الروحي يعطي لعملية التبرع بالدم خلال الشهر الفضيل معنى أعمق، وأنه من منطلق وعيه بأهمية هذه المبادرة النبيلة وتضامنه مع الأشخاص الذين يحتاجون إلى هذه المادة الحيوية، قرر القدوم إلى المسجد والتبرع بالدم باعتباره واجباً إنسانياً وأخلاقياً ودينياً في الوقت نفسه، موضحاً أن التبرع بعد الإفطار لا يمثل أي خطر على صحته، بل يعتبر مفيداً للغاية.

ومنذ بداية شهر رمضان، تحوّلت العديد من مساجد المملكة بعد أداء صلاتي العشاء والتراويح، إلى فضاءات لتشجيع المغاربة على التبرع بالدم، وفقاً للبروتوكولات الصحية الجاري بها العمل في مراكز تحاقن الدم، في محاولة لسد النقص وتوفير مخزون يؤمن الاحتياجات التي تزداد باستمرار في ظل ارتفاع عدد المرضى الذين يجب أن يجروا عمليات نقل الدم، إلى جانب تزايد انتشار الأمراض المزمنة المرتبطة بارتفاع متوسط العمر.

وتُنظَّم حملات التبرع بالدم داخل المساجد وفق شراكة بين مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للقيمين الدينيين ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمجلس العلمي الأعلى، وتحت إشراف الوكالة المغربية للدم ومشتقاته.

يقول الباحث في الفكر الإسلامي محمد عبد الوهاب رفيقي لـ”العربي الجديد”: “تاريخياً، كانت المساجد في المغرب تضطلع بأدوار اجتماعية كبيرة، إلا أنها في العقود الأخيرة اقتصرت على الدور التعبدي”.

ويرى الباحث المغربي أن” انخراط المؤسسات الدينية والمساجد على وجه الخصوص في مثل هذه الحملات، ولا سيما مع النقص الكبير الذي تعرفه هذه المادة الحيوية في المغرب، وما لعملية التبرع من أثر على حياة الناس، إذ تنقذ أرواحاً وتحيي أنفساً، يجعل انخراط بيوت الله في حملات التبرع مبادرةً طيبةً جداً وتستحق كل تنويه”.

بدوره، يؤكد الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، الطيب حمضي، أهمية حملات التبرع بالدم بالنسبة إلى العديد من المواطنين الذين تتوقف حياتهم فعلياً على تبرع الآخرين، معتبراً أن عملية التبرع في المساجد تؤدي إلى نتائج هائلة في بعض الأحيان، علماً أن نسبة الإقبال على التبرع في الشهر الفضيل تفوق باقي أشهر السنة.

وفضلاً عن كونها مهمة على مستوى زيادة مخزون الدم، يعتبر حمضي في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن حملات التبرع بالدم في المساجد تضطلع بمهمة توجيه رسالة بالغة الأهمية، تتمثل بتوعية الناس بأهمية التبرع بالدم وثقافته، وهذا هو الهدف النهائي.

واعتادت السلطات الصحية في المغرب، إطلاق برامج خاصة لحملات التبرع بالدم وتنفيذ نشاطات توعية، في وقت تشكو العديد من مراكز التبرع بالدم، خصوصاً في المدن الكبرى، من أزمة في مخزونها الاحتياطي الذي تتوقف عليه حياة الكثير من المرضى.

ويحتاج المغرب إلى ألف متبرع يومياً لضمان مخزون كافٍ يغطي ما لا يقل عن خمسة أيام، وفق ما أكدته مديرة المركز الجهوي لتحاقن الدم بالرباط، جميلة الكوردو. في المقابل، توصي منظمة الصحة العالمية بأن يتجاوز معدل التبرع بالدم نسبة 1% من عدد السكان لتحقيق الاكتفاء الذاتي من مشتقات الدم. وقد بلغ المغرب هذه النسبة عام 2023، ما يعكس تقدماً ملحوظاً في هذا الشأن. لكن يبقى الهدف الأكبر هو الحفاظ على هذه النسبة والتطلع إلى تحقيق 3%، وهي النسبة التي تعد مثالية للاكتفاء الذاتي.

وعلى الرغم من تسجيل ارتفاع سنوي في استهلاك الدم خلال السنوات الأخيرة ناهز الـ28 في المائة، إلا أن عدداً من المغاربة يمتنعون عن التبرع بدمائهم من جراء ضعف ثقافة التبرع، فضلاً عن انتشار أحكام مسبقة في المجتمع عن المتاجرة بأكياس الدم أو خشية الإصابة بالعدوى، وهو ما ينفيه مسؤولو مراكز التبرع بشدة، معتبرين أن الدم الذي يجمعونه يوجه مباشرة إلى مستحقيه من المرضى أو المصابين، وأن عملية التبرع تُجرى باستخدام أجهزة معقمة ذات استخدام وحيد، من أجل ضمان سلامة المتبرعين.

زوايا ميادين + العربي الجديد

World Opinion | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La voix Des Sans-Voix | Alternative Média

شاهد أيضاً

ألمانيا.. تعليق تصاريح دورات الاندماج وسط انتقادات سياسية حادة

بدأ المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين الألماني (BAMF) مؤخرًا بتشديد الرقابة على طلبات المهاجرين الراغبين في الالتحاق بدورات الاندماج على أساس طوعي، ما أدى إلى تعذّر بدء عدد كبير من هذه الدورات. وقد أثار هذا الإجراء انتقادات سياسية واسعة، خصوصًا من حزب الخضر، الذي حمّل وزير الداخلية الاتحادي ألكسندر دوبرينت (من حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي CSU) مسؤولية تعطيل برامج الاندماج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
20 ⁄ 10 =